5 نوفمبر، 2023 3:40 صباحًا
لوجو الوطن اليوم
التضخم وسعر الفائدة.. كيف يفكر الفيدرالي الأميركي؟
التضخم وسعر الفائدة.. كيف يفكر الفيدرالي الأميركي؟
التضخم وسعر الفائدة.. كيف يفكر الفيدرالي الأميركي؟

تترقب الأسواق قرارات بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بخصوص أسعار الفائدة، في وقت لا تزال فيه مخاوف الركود تهدد حتى نهاية العام الجاري 2023 أكبر اقتصاد في العالم.

تشير أغلب التوقعات إلى اتجاه الفيدرالي لرفع الفائدة بمعدل ربع نقطة مئوية، لتتجاوز المعدلات نسبة الخمسة بالمئة، وبما يشكله ذلك من ضغط على معدلات النمو.

عكست البيانات الاقتصادية الأخيرة بالولايات المتحدة الأمريكية عن شهر مارس الماضي مؤشرات إيجابية نسبيا، لجهة استمرار تباطؤ معدلات التضخم، فضلا عن بيانات سوق العمل، فيما يخص انخفاض نسبة البطالة، وإضافة 236 ألف وظيفة جديدة (وإن كانت تعكس معدلات نمو ضعيفة في هذا السياق).

ورفع الفيدرالي أسعار الفائدة بواقع 475 نقطة أساس في تسع زيادات خلال عام منذ مارس 2022، وذلك في سياق معركته ضد معدلات التضخم التي سجلت العام الماضي مستويات غير مسبوقة منذ الأزمة المالية العالمية.

وتفرض حالة من الضبابية نفسها حول اتجاهات السياسة النقدية؛ ما بين خياري وقف وتيرة سياسة التشديد النقدي (في ضوء ما عكسه القرار الأخير بشأن أسعار الفائدة من خطط لوقف سياسة التشديد، طبقاً لتحليل مستشار البنك، ديان سوونك) أو المضي قدماً في رفع وتيرة أسعار الفائدة استمرارا للنهج المتبع منذ العام الماضي.

ووضعت الأزمة المصرفية في مارس الماضي الفيدرالي الأميركي أمام تحديات واسعة، لا سيما في ضوء ما تفرضه تلك الأزمة من مزيدٍ من القيود الائتمانية.

وتسيطر مخاوف واسعة على الأسواق، وحالة من عدم اليقين، في ضوء أزمة المصارف وتبعاتها، في وقت سجل فيه الاقتصاد الأميركي نمواً أقل من المتوقع في الربع الأول من العام الجاري.

معدلات التضخم

أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، الفائز بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية في العام 2006، إدموند فيلبس، يقول في تصريح خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:

يبدو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يريد رفع أسعار الفائدة حتى الوصول بمعدل التضخم إلى 2 أو 3 بالمئة.

لست مقتنعا بأن مثل هذه الخطوة “السياسية” تستحق هذا العناء.

وواصلت معدلات التضخم في الولايات المتحدة تباطؤها خلال شهر مارس الماضي، بدعمٍ من انخفاض أسعار الطاقة، فيما تشير التقديرات إلى أن ذلك التباطؤ لن يمنع بدوره الفيدرالي الأميركي من رفع الفائدة في قراره المرتقب.

طبقاً لبيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي “بي سي إي”، بلغت مستويات التضخم 4.2 بالمئة خلال مارس (بتراجع واسع نسبياً عن معدلات شهر فبراير التي سجلت5.1 بالمئة) وبما يشكل “أدنى مستوى منذ عامين”.

التضخم الأساسي (الذي لا يشمل أسعار المواد الغذائية والطاقة)، تراجع إلى 4.6 بالمئة خلال عام، مقابل 4.7 بالمئة الشهر السابق.

وفيما تتباطأ معدلات التضخم على ذلك النحو المذكور، يتحدث الاقتصادي الأميركي في سياق متصل، عن “إرث التضخم” والذي يتمثل من وجهة نظره في أنه أثر في تآكل الأجور أمام ارتفاع الأسعار بسبب التضخم، ويعبر عن ذلك بقوله: لقد ترك التضخم الأجور ورائه بشكل منفصل عن الأسعار الحالية.

خلال شهر واحد فقط تباطأ ارتفاع الأسعار بالولايات المتحدة ليبلغ 0.1 بالمئة، متطابقاً مع توقعات المحللين، طبقاً لما يُظهره مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يعتمد عليه الاحتياطي الفيدرالي.

تشير المؤشرات ذاتها إلى ارتفاع دخل الأسرة بنسبة 0.4 بالمئة، فيما بقيت معدلات الإنفاق مستقرة.

تهدئة وتيرة رفع أسعار الفائدة

استاذ الاقتصاد بجامعة ويسترن، مايكل باركين، يشير ، إلى أنه: استنادا إلى بيانات التضخم الأميركية “أعتقد بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيتوقف مؤقتاً عن سياسته.. من المرجح أن يتوقف عن رفع أسعار الفائدة على نفس الوتيرة، لكني لا أرى أي تخفيضات مبكرة في أسعار الفائدة”.

وتطرق إلى المخاوف التي علق عليها كثير من المحللين بخصوص “أزمة ائتمانية” قد تلوح في الأفق، في أعقاب الأزمة المصرفية الأخيرة في مارس والتي أثارت حالة من عدم اليقين بالقطاع، ومدى تأثير ذلك على قرارات الفيدرالي، موضحاً أن حدوث أزمة ائتمان على ذلك النحو سيكون بمثابة “مفاجأة”، لكنّ المفاجأة الأكبر هي حال إعداد الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة لمعالجة هذا الخطر حالياً.

في 22 مارس الماضي، أقر الاحتياطي الفيدرالي الزيادة “التاسعة على التوالي” منذ العام الماضي، بأسعار الفائدة، ضمن سياسته الرامية لمحاولة كبح جماح التضخم الذي بلغ في العام 2022 أعلى مستوياته في نحو 4 عقود، قبل أن يتباطأ تدريجياً.

رفع الفيدرالي الأميركي، في اجتماعه الأخير، أسعار الفائدة الرئيسية، بمقدار 25 نقطة أساس، متماشياً في ذلك مع التوقعات.

وصلت الفائدة إلى نطاق يتراوح بين 4.75 و5 بالمئة، لتشكل ذلك أعلى مستوى منذ سبتمبر 2007، أي قبل الأزمة المالية العالمية.

أعلن الفيدرالي –عقب اجتماعه الأخير- أنه قد يتخذ مزيداً من القرارات بتشديد السياسة النقدية، مؤكداً أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وذلك في إشارة إلى أنه لم ينته بعد من زيادة أسعار الفائدة على الرغم خطر تفاقم أزمة البنوك التي تعصف بالأسواق العالمية.

شدة السياسة النقدية

أستاذ الاقتصاد بكلية ويليامز، كينيث كوتنر، يقول :

أعتقد بأننا أمام نقطة تحول الآن فيما يخص سياسات الفيدرالي الأميركي إزاء رفع أسعار الفائدة.

كما يعلم الجميع، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بشكل حاد للغاية، عند نطاق يتراوح بين 4.75 و5 بالمئة، مع احتمال زيادة سعر الفائدة بمقدار 1/4 نقطة مئوية أخرى في الطريق.

ويضيف استاذ الاقتصاد: “السؤال الآن هو ما إذا كان هذا سيكون كافياً؟”، مشدداً على أنه من الصعب جداً معرفة ذلك؛ نظراً لعدد من العوامل؛ وأهمها أن هناك طرقاً مختلفة لقياس “شدة” السياسة النقدية، علاوة على أنه من السابق لأوانه التمييز بشكل كامل في آثار زيادات أسعار الفائدة في العام الماضي.

ويرجح أن يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة ربع نقطة مئوية أخرى في الاجتماع الجديد، ثم يتبنى موقف wait and see (انتظر لترى) لفترة من الوقت، بينما الأمل هو أن يكون ذلك كافياً لانخفاض تدريجي في التضخم، مع عدم التسبب في ركود.

ويعتقد أستاذ الاقتصاد بكلية ويليامز، بأن “هذا توقع معقول”، ولكن في مجال السياسة النقدية “نادراً ما تسير الأمور كما هو مخطط لها”، على حد تعبيره.

وتشير توقعات الاحتياطي الفيدرالي إلى أن نسبة التضخم هذا العام ستكون أعلى بقليل مما توقعه في ديسمبر، عند 3.6 بالمئة مقابل 3.5 بالمئة، فيما توقع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بواقع 0.4 بالمئة مقابل 0.5 بالمئة.

سيناريوهات مستقبلية مختلفة

استاذ الاقتصاد بجامعة ويلفريد لورييه الكندية، ديفيد جونسون، يرى أنه من غير الواضح السيناريوهات التالية للمرحلة المقبلة بشكل تام، ويقول :

من المرجح المحافظة على مستوى سعر الفائدة مرتفعاً لتقليل الطلب.

بالتالي “يتعين على الأسر التي لديها ديون أن تدفع فائدة أكبر على ديونها، ومن ثم يمكن أن تشتري أشياء أخرى أقل”.

لكن ما إذا كانوا (صانعو السياسية النقدية) سيستمرون في رفع المعدلات بعد ذلك أم لا بينما الاتجاه لانخفاض التضخم، فهذا غير واضح.

ويتوقع صانعو السياسة في الاحتياطي الفيدرالي أن تنتهي أسعار الفائدة في عام 2023 عند حوالي 5.1 بالمئة، دون تغيير عن متوسط تقديراتهم في الجولة الأخيرة من التوقعات في ديسمبر الماضي.

لكنهم رفعوا توقعاتهم للعام المقبل، ليصل متوسط الفائدة في نهاية 2024 عند مستوى 4.3 بالمئة بدلا من 4.1 بالمئة في التوقعات السابقة.

مؤشرات التوظيف

من جانبه، يحدد الأستاذ بجامعة جنوب كاليفورنيا، جوناثان أرونسون، العوامل الأساسية التي تحرك اتجاهات السياسة النقدية، بقوله إن “صناع القرار الفيدرالي مهووسون بالتضخم وأسعار الفائدة أكثر من مؤشرات التوظيف”، مشددا على أنهم “يريدون تجنب تكرار ارتفاع أسعار الفائدة كما في أواخر السبعينيات بأي ثمن”.

تشير البيانات الرسمية، إلى أن الاقتصاد الأميركي قد أضاف 236 ألف وظيفة جديدة في شهر مارس الماضي بما يزيد قليلا على التوقعات البالغة 230 ألف وظيفة، لكن يشكل ذلك في الوقت نفسه تراجعاً عن معدلات الشهرين الماضيين.

في يناير الماضي أضافت سوق العمل في الولايات المتحدة 472 ألف وظيفة. وفي فبراير أضافت 326 ألف وظيفة.

معدل البطالة في أميركا انخفض إلى 3.5 بالمئة (بحسب بيانات وزارة العمل)، مخالفاً توقعات المحللين ببقائه عنده مستوى فبراير الماضي البالغ 3.6 بالمئة.

ويلفت أرونسون في الوقت نفسه إلى تبعات سياسة رفع أسعار الفائدة على ذلك النحو، والضغوطات التي لاحقت القطاع المصرفي، مشدداً على أنه “عندما ارتفعت أسعار الفائدة، تحطمت قيمة سندات الخزانة طويلة الأجل”.

ويتابع: “كانت البنوك الإقليمية التي تحتفظ بهذه الاستثمارات الآمنة المفترضة عرضة للتهديد والانهيار المصرفي”.

وتشير زيادة الفائدة والتوقعات التي أعلنها الفيدرالي الأميركي إلى أنه لا يزال يركز بشدة على خفض التضخم إلى هدفه البالغ 2 بالمئة، مما يشير إلى أنه لا يزال يرى أن تضخم الأسعار باعتباره تهديداً أكبر للنمو من اضطرابات البنوك.

كما أنها تشير في الوقت نفسه إلى الثقة في أن الاقتصاد والنظام المالي لا يزالان في حالة جيدة بما يكفي لتحمل سلسلة الانهيارات المصرفية التي بدأت في مارس وأثارت مخاوف واسعة بشأن حدوث تأثير الدومينو على مصارف أخرى.

وخلال مارس الماضي، ارتفع الناتج الصناعي بنسبة 0.4 بالمئة بعد ارتفاعه بنسبة 0.2 بالمئة خلال فبراير الماضي وفقا للبيانات المعدلة.

معضلة البنوك المركزية

وبشكل عام، يتحدث الأستاذ المتفرغ بقسم الاقتصاد في جامعة أوتاوا، ماريو سيكاريتشيا، عن المعضلة الأساسية التي تواجه الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية، وذلك بقوله:

المشكلة تكمن في أن البنوك المركزية عموماً تتجه نحو مكافحة التضخم من خلال زيادة أسعار الفائدة، أي أنها تركز على خوض الحرب الأخيرة (مع تفكك الاقتصادات).

إذا استمر التضخم في التباطؤ، كما هو الحال على ما يبدو الآن، فإن المشكلة الأكبر للسياسة النقدية ستكون كيفية الحفاظ على النمو مع انخفاض التضخم.
لسوء الحظ، فإن البنوك المركزية ليست مجهزة جيداً للقيام بذلك.

لكن يمكن للبنوك المركزية أن تشد الخيط (أي عن طريق إبطاء النمو).

ويشير الأستاذ المتفرغ بقسم الاقتصاد في جامعة أوتاوا، إلى السياسات المالية المتوقعة في ضوء ذلك، بقوله: “أعتقد بأننا نتجه نحو الركود، وفي ضوء انعكاس السياسات المالية المتبعة خلال العام المقبل (..)”.

سجل الاقتصاد الأميركي نمواً أقل من المتوقع في الربع الأول من العام الجاري.

هذا النمو يعتقد معه محللون بأنه سوف يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى “تهدئة وتيرة رفع معدلات الفائدة في الفترة المقبلة”.

أظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية، الخميس، نموًا بنسبة 1.1 بالمئة في الربع الأول من 2023، مقابل توقعات بأن يبلغ النمو 2 بالمئة.

زوارنا يتصفحون الآن